ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري الموصلي ( ابن الأثير الموصلي )
321
المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر
وقد تقدم القول أن حقيقة التجنيس هي : اتفاق اللفظ واختلاف المعنى ، وعقال ومعقول وحابس ومحبوس اللّفظ فيهما واحد والمعنى أيضا واحد ، فهذا مشتق من هذا : أي قد شق منه . وكذلك ورد قول عنترة « 1 » : لقد علم القبائل أنّ قومي * لهم حدّ إذا لبس الحديدا « 2 » فإن حدّا وحديدا لفظهما واحد ومعناهما واحد . وأما الاشتقاق الكبير فهو : أن تأخذ أصلا من الأصول فتعقد عليه وعلى تراكيبه معنى واحدا يجمع تلك التراكيب وما تصرف منها وإن تباعد شيء من ذلك عنها ردّ بلطف الصنعة والتأويل إليها . ولنضرب لذلك مثالا ؛ فنقول : إن لفظة « ق م ر » من الثلاثي لها ست تراكيب ، وهي : ق ر م ، ق م ر ، ر ق م ، ر م ق ، م ق ر ، م ر ق ؛ فهذه التراكيب الست يجمعها معنى واحد ، وهو القوة والشدة ، فالقرم : شدة شهوة اللحم ، وقمر الرجل ؛ إذا غلب من يقامره ، والرّقم : الداهية ، وهي الشدة التي تلحق الإنسان من دهره ، وعيش مرمّق : أي ضيق ، وذلك نوع من الشدة أيضا ، والمقر : شبه الصبر ، يقال : أمقر الشيء ، إذا أمرّ ، وفي ذلك شدة على الذائق وكراهة ، ومرق السهم ؛ إذا نفذ من الرمية ، وذلك لشدة مضائه وقوّته . واعلم أنه إذا سقط من تراكيب الكلمة شيء فجائز ذلك في الاشتقاق ؛ لأن الاشتقاق ليس من شرطه كمال تركيب الكلمة ، بل من شرطه أن الكلمة كيف تقلبت بها تراكيبها من تقديم حروفها وتأخيرها أدت إلى معنى واحد يجمعها ؛ فمثال ما سقط من تركيب الثلاثي لفظة « وس ق » فإن لها خمس تراكيب ، وهي : وس ق ،
--> ( 1 ) كذلك وقع في جميع أصول الكتاب ، وهذا خطأ ؛ فالبيت ليس لعنترة ، وإنما هو لحيان بن ربيعة الطائي ، وهو من شعر الحماسة ( انظر التبريزي : 1 - 279 ) وقد نسب على الصواب في الصناعتين لأبي هلال العسكري ( ص 256 ) . ( 2 ) في رواية الحماسة « لهم جدّ » وذكر التبريزي أنه يروى « لهم حد » .